نبراس

12 يونيو –اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال..لحظة ضمير عالمي ونداء للعدالة الطفولية

أ.أحمد عبدالغني الثقفي

وزارة الإعلام

في عالمٍ يتسابق في ميادين التقنية والذكاء الاصطناعي والنهضة التنموية، لا تزال هناك زاوية مظلمة يتجاهلها كثيرون، يغفو فيها وجع صغير اسمه: “طفلٌ يحمل على ظهره حِمل الحياة”، طفل لم يُمنح حقه في اللعب، ولم يتذوق لذة دفاتر الطفولة، ولم يعرف طعم الأمان. يأتي يوم 12 يونيو كل عام، كي يهز الضمير الإنساني ويوقظه على واقعٍ مرير: ملايين الأطفال يُستغلّون في سوق العمل في مختلف أنحاء العالم.

أولًا: الأرقام التي تُبكِي العالم

وفقًا لتقرير مشترك بين منظمة العمل الدولية (ILO) ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF) لعام 2023:
• 160 مليون طفل يشاركون في سوق العمل.
• 70 مليون منهم يعملون في أعمال خطرة تهدد صحتهم البدنية والعقلية.
• تتركز أكبر نسب عمل الأطفال في الزراعة (أكثر من 70%)، تليها الصناعات المنزلية، ثم الخدمات.
• ازداد عدد الأطفال العاملين للمرة الأولى منذ عقدين بسبب الفقر المدقع، والصراعات، وجائحة كورونا التي دفعت آلاف العائلات إلى الحافة.

هذه الأرقام لا تُعبّر فقط عن عجز تنموي، بل عن جريمة ضد الطفولة الجماعية، التي يجب أن تكون زمن البراءة، لا زمن العمل القسري.

ثانيًا: الأسباب الجذرية لعمل الأطفال

1. الفقر

العامل الأساسي في دفع الأطفال إلى سوق العمل. حين يعجز الأهل عن تأمين احتياجات الأسرة، يصبح الطفل هو الضمان الاجتماعي غير المُعلن.

2. ضعف التعليم

غياب التعليم الإلزامي المجاني أو تردي جودته يجعل العمل خيارًا بديلاً، وهو خيار مهين يسرق من الطفل سنوات بناء الذات والوعي.

3. الأعراف الاجتماعية

في بعض المجتمعات، يُنظر لعمل الطفل كعلامة رجولة أو مسؤولية مبكرة، متناسين أن المسؤولية الحقيقية هي بناء مستقبل يليق بكرامته.

4. النزاعات والحروب

البيئات المتأزمة تُنتج أطفالًا بدون أسر، بدون مدارس، وبدون حماية قانونية، فيُجبرون على العمل للبقاء.

ثالثًا: الأبعاد النفسية والتربوية لعمل الأطفال

الطفل الذي يُزج به في سوق العمل مبكرًا يتعرض لأضرار نفسية جسيمة:
• القلق المزمن بسبب غياب الشعور بالأمان.
• الاحتراق العقلي المبكر نتيجة ضغط العمل وحرمان الطفولة.
• ضعف المهارات الاجتماعية لعدم اختلاطه بأقرانه في بيئة مدرسية.
• الإحساس بالدونية والنبذ، ما قد يؤدي لاحقًا إلى الجنوح أو العنف أو الانطواء المرضي.

وتشير دراسات تربوية إلى أن الطفل العامل يكتسب نموذجًا خاطئًا للنجاح، يرتبط فيه العمل بالشقاء، لا بالتمكين والكرامة.

رابعًا: الإطار القانوني والاتفاقيات الدولية

أهم ما يضبط هذه القضية:
• اتفاقية حقوق الطفل (CRC) – المادة 32: تحظر استغلال الأطفال اقتصاديًا.
• اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 138: تحدد السن الأدنى للعمل بـ15 عامًا.
• اتفاقية 182: تحظر أسوأ أشكال عمل الأطفال كالعبودية والاستغلال الجنسي والتجنيد العسكري.

السعودية من الدول المصادقة على تلك الاتفاقيات، ولديها أنظمة تحظر عمالة من هم دون سن الخامسة عشرة، وتُلزم أرباب العمل بشروط صارمة في تشغيل من هم بين 15 و18 عامًا، ضمن أعمال غير خطرة ولا تعيق التعليم.

خامسًا: دور المجتمع والأسرة والمؤسسات

1. الأسرة: هي خط الدفاع الأول. لا مبرر لفقر يدفع طفلًا للعمل بدلًا من الدراسة. هناك إعانات ودعم يجب تفعيله والاستفادة منه بدل الدفع بالطفل إلى الظلمة.

2. المدرسة: يجب أن تتحول إلى بيئة جاذبة تُغري الطفل بالتعلم، وتوفر التغذية والرعاية والدعم النفسي.

3. المؤسسات الخيرية والحكومية: مطالبة بتوفير بدائل مالية حقيقية للأسر الفقيرة، وملاحقة المتجاوزين قانونيًا.

4. الإعلام والمجتمع المدني: عليهما دور رئيسي في فضح هذه الممارسات، ونشر ثقافة الحماية، وتكريس الوعي بقيمة الطفولة.

سادسًا: توصيات عملية
• سن سياسات اقتصادية تُقلّص الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
• توفير تعليم نوعي مجاني في كل المناطق.
• تكثيف الرقابة على أسواق العمل غير الرسمية.
• تفعيل خط ساخن للإبلاغ عن حالات تشغيل الأطفال.
• تقديم حوافز للشركات التي تلتزم بعدم توظيف الأطفال.
• إشراك الأطفال أنفسهم في رسم سياسات الحماية

خاتمة: الطفل ليس عاملًا.. الطفل هو العالم

حين نمنح الطفل كتابًا بدل المطرقة، ودفترًا بدل المجرفة، نمنح المستقبل فرصة لأن يكون إنسانيًا وأخلاقيًا. فكل طفل يُجبر على العمل اليوم، هو مواطن ناقص المواطنة غدًا. وكل مجتمع يُهمل حقوق أطفاله، هو مجتمع يكتب نهايته بنفسه.

في يوم 12 يونيو، فلنرفع الصوت معًا:
أوقفوا عمل الأطفال.. افتحوا مدارس الطفولة والكرامة.